دومينا ماغدبورغ: جلسات في ميونخ، والسيطرة عبر الفيديو أيضًا
لستُ دومينا في ماغدبورغ، ولا أتظاهر بذلك. جلساتي الحضورية تجري في ميونخ، في Studio 60؛ ولا آتي إلى ماغدبورغ – لا إلى منزلك، ولا إلى أي مكان آخر. ومن يسافر من ضفاف نهر إلبه إلى ضفاف نهر إيزار يخطط ليوم كامل، وهذا التخطيط عندي جزء من اللقاء نفسه.
هكذا ينشأ الموعد:
- التقويم: في تقويم الحجز تختار نوع الجلسة واليوم والوقت.
- الرسالة: نقرة واحدة تفتح WhatsApp أو Telegram برسالة طلب مكتوبة سلفًا، فيها السعر والرقم المرجعي.
- التأكيد: أرد بنفسي. ولا يصبح الموعد مُلزِمًا إلا بعد موافقتي ودفع العربون البالغ 50 €، الذي يُخصم من الأجر.
- الغرفة: تحجز الغرفة في Studio 60 وتدفع إيجارها بنفسك، مباشرة لدى الاستوديو، وترسل إليّ التأكيد في لقطة شاشة.
كم تكلف ساعة بعد الظهر، وكم تكلف ساعة في المساء، تجده في صفحة الأسعار والحجز. وللوقت الذي يفصل بين رحلتين هناك الجلسة عن بُعد عبر الفيديو: 45 دقيقة، حول العالم. وفرض العفة بالذات يمكن توجيهه على هذا النحو عبر المسافة، لأن المفتاح لا يحتاج إلى أن يسافر. أتحدث وأكتب بالألمانية والإنجليزية فقط.
ماغدبورغ ليلًا: Hassel والأقبية وضفة إلبه
في عام 2005 احتفلت ماغدبورغ بمرور ألف ومئتي عام على أول ذكر لها في وثيقة مكتوبة، ويمكنك أن تلمس أن هذه المدينة اضطرت إلى أن تبدأ من جديد أكثر من مرة: عام 1631، في حرب الثلاثين عامًا، وعام 1945، بعد الغارات الجوية. حياتها الليلية بعيدة عن الصخب، موزعة على أماكن قليلة تستحق أن تعرفها.
- Hasselbachplatz: ساحة «Hassel»، عند الطرف الجنوبي لجادة Breiter Weg، تحيط بها واجهات من حقبة Gründerzeit، أي سنوات الازدهار في أواخر القرن التاسع عشر، وظلت زمنًا طويلًا حيّ الحانات في المدينة. لقد تغيّرت، ومستقبلها موضع جدل منذ سنوات، ومع ذلك ما زالت ليالٍ كثيرة تبدأ هناك.
- Buttergasse: نادٍ في أقبية تاريخية معقودة قرب ساحة Alter Markt، تقام فيه الحفلات في عطلات نهاية الأسبوع خصوصًا.
- Festung Mark: الثكنة الدفاعية السابقة (Defensionskaserne) التي شُيّدت بين عامي 1864 و1865 على الجبهة الشمالية القديمة للحصن، أُنقذت من البيع عام 2001، وصارت منذ ذلك الحين دارًا للثقافة؛ وفي قاعاتها تقام حفلات موسيقية، وعروض مسرحية، وأمسيات قراءة، وسهرات.
- Factory: النادي في حي Buckau تتسع قاعته الكبرى لما يصل إلى ألف شخص؛ وفيه تتناوب الحفلات الموسيقية والسهرات.
- ضفة إلبه: عند Petriförder تفتح في الأشهر الدافئة حانة على الشاطئ، قائمة هناك منذ أكثر من عشرين عامًا. سر على امتداد الممشى، فترى الكاتدرائية فوق النهر، والجسور التي تبدو في الظلام أهم مما تبدو في النهار.
في الآونة الأخيرة لم أكد أجد في ماغدبورغ حفلات فتيش يُعلن عنها للعموم وتقام بانتظام؛ وما يوجد منها يجري في الغالب على نطاق صغير وخاص. وفي المدينة أيضًا استوديوهات دومينا. لا أذكر أسماءها، ولا أعمل مع أي منها. ولعطلة نهاية أسبوع كبيرة للفتيش يتجه كثيرون في سبتمبر إلى برلين، إلى Folsom Europe في حي Schöneberg.
نصفا كرة تحت كرات ذهبية
كنت في ماغدبورغ يوم سبت من أبريل، بلا موعد وبلا ضيف، لا لشيء إلا للكاتدرائية، ولمبنى أردت أن أراه منذ سنوات. تقوم القلعة الخضراء (Grüne Zitadelle) على جادة Breiter Weg، على بعد خطوات من ساحة الكاتدرائية (Domplatz)، وردية اللون، كأنها لا تعتذر عن شيء. صممها فريدنسرايش هوندرتفاسر (Friedensreich Hundertwasser)، ولم يعش ليراها مكتملة: تُوفي في فبراير 2000، وافتُتح المبنى في أكتوبر 2005. على السطح ينبت العشب، ومن السطح والجدران تنمو الأشجار، ولا يلتزم صف من النوافذ بخط واحد. قالت المرأة التي قادتنا في جولة داخل المبنى إنه لا توجد فيه نافذة تشبه أخرى، وإن لكل مستأجر أن يطلي الواجهة حول نافذته بنفسه، إلى أبعد ما تبلغه ذراعه بالفرشاة. لا يكاد أحد يفعل ذلك. ومع ذلك فإن حقًا لا يستعمله أحد يقول شيئًا عن البيت.
بعد ذلك جلست في أكبر الفناءين، حيث تجري النافورة، ومعي كوب شاي من المقهى في الطابق الأرضي. وعلى الطاولة المجاورة كان رجل يدير حلقة سوداء من المطاط بين إبهامه وسبابته، على الإيقاع نفسه دائمًا، كما يمرّر غيره حبات الخرز بين أصابعه. في نحو الأربعين، بسترة رمادية، ومعه دفتر مليء بمنحنيات بدت كأنها سلاسل قياسات. سألته ما الذي يديره.
قال: «حشية إحكام». وفي الألمانية الكلمة هي Dichtung، وهي تعني الشعر أيضًا.
سألته: «في هذه المدينة؟ ظننت أن الناس هنا يضخّون، لا ينظمون الشعر».
شرح لي، بدقة بالغة، أنه يعمل في مختبر اختبارات – حشيات للصمامات ولأوعية الضغط – وأن عمله أن يكتشف كم يبقى الشيء محكم الإغلاق حين لا يُمنح أي راحة. كان يتحدث عن المطاط كما يتحدث الآخرون عن البشر: كل شيء يلين في النهاية؛ والسؤال فقط متى، وعند أي موضع. لم يذكر اسمه إلا لاحقًا؛ وهنا اسمه R.
سألته: «وغيريكه؟»
عندها رفع رأسه لأول مرة ونظر إليّ حقًا. كان أوتو فون غيريكه (Otto von Guericke)، عمدة هذه المدينة بعد أن دمّرتها حرب الثلاثين عامًا، قد ركّب في منتصف خمسينيات القرن السابع عشر نصفي كرة من النحاس أحدهما على الآخر، وضخّ الهواء من داخلهما، ثم جعل فريقين من الخيول يشدّان في اتجاهين متعاكسين. لم يقدرا على فصل النصفين. قال R.: «المدهش ليس قوة الشد، بل أنه لا شيء يمسك الكرتين معًا. لا قفل، ولا غراء. لا شيء سوى ما هو غائب».
أخبرته بما أعمل، وأين. بقي جالسًا، وهذا ما لا يفعله الجميع. قال: «إذن فنصفا كرتنا عندكم». فالقطعتان اللتان تُعدّان النسخة الأصلية لغيريكه محفوظتان اليوم في المتحف الألماني (Deutsches Museum) في ميونخ. لم يسأل عن الأسعار ولا عن الصور، بل عن المفاتيح: من يحملها، وإلى متى، وماذا يحدث إذا ضاع أحدها. كان السؤال الصحيح في الوقت الخطأ. أعطيته اسمي، وأخبرته كيف يكتب الناس إليّ – لا هنا، ولا اليوم. ثم أعدت كوبي، وتركته جالسًا في الفناء مع حلقته، تحت أشجار تنبت من جدار بيت ولا تستأذن أحدًا.
عقد بصمام أمان
جاءت رسالته الأولى بعد أربعة أيام، وكانت خالية من أي انفعال إلى حد جعلني أقرؤها مرتين لأعثر على القلق الكامن تحتها. أراد أن يُقفل عليه. أراد ألّا يبقى المفتاح في يديه. وأراد – وهذا جاء في آخر الرسالة تمامًا – ألّا يكون للنهاية موعد.
كانت رغبته الأخيرة أول ما شطبته.
في مختبره لا يوجد وعاء ضغط بلا صمام أمان. كتبت إليه أذكّره بذلك، وأقول إن القاعدة نفسها تسري عندي. الصمام هنا اسمه كلمة الأمان. اتفقنا على Copper، أي النحاس، على اسم معدن نصفي الكرة: كلمة واحدة، فينتهي كل شيء على الفور، بلا نقاش، ودون أن أؤاخذه عليها لاحقًا. وكان هناك صمام ثانٍ أيضًا، هذه المرة من المعدن: مفتاح للطوارئ، محفوظ في كيس مغلق بختم أمان مرقّم، من النوع الذي تراه على عدادات الكهرباء. كان بوسعه أن يكسر الختم في أي وقت إن طلب جسده ذلك، ولم يكن عليه بعدها إلا أن يرسل إليّ الرقم. كسره عن حاجة ليس إخفاقًا. أما كسره عن نفاد صبر فقرار نتحدث عنه.
بعد ذلك جاءت الأسئلة التي لا يحب أحد أن يجيب عنها. القلب والدورة الدموية، والأدوية، والحساسية، والبشرة الحساسة، والتجارب السابقة مع قفص. لم يكن لديه شيء من ذلك. كان يعيش وحده منذ عامين؛ ولم يكن مضطرًا إلى إخفاء شيء عن أحد. جعل ذلك الأمر أبسط، لا أسهل. أرسل المقاسات التي طلبتها، بثلاث خانات عشرية، فأجبته بأن ملاءمة القفص عندي لا تخضع للتفاوض. ما يضغط يُنزع. الخدر، والألم، وتهيّج البشرة: يبلغني بها فورًا، حتى لو أفسد ذلك الجو.
حددنا كيف ستبدو الأسابيع. المفتاح الذي أقفل به عليه يبقى معي في ميونخ. والثاني يبقى عنده تحت الختم. في أوقات محددة يكسر الختم، وينظّف، ويُقفل من جديد، ويختم مفتاح الطوارئ برقم جديد، ويرسل إليّ الرقمين، القديم والجديد. ومرة في الأسبوع أراه عبر الفيديو. أما كم تدوم المرحلة، فأنا التي تقرر ذلك، لا طموحه.
كتب: «وإن أردت المزيد؟»
كتبت: «حينها تنتظر. هذا هو الجزء الذي لا تعرفه بعد».
طلب ساعتين بعد ظهر يوم جمعة في أواخر مايو. كان قد حجز الغرفة في Studio 60 من قبل؛ ولقطة الشاشة مرفقة. نادرًا ما جاءني طلب بهذا القدر من الترتيب. ونادرًا ما كان أحد يجهل إلى هذا الحد ما هو مقبل عليه.
في Studio 60: الطقّة وساعة بلا عقارب
جاء بالقطار، أربع ساعات ونصفًا، مع تبديل في هاله، ووقف عند الباب في الدقيقة المحددة تمامًا، كما توقعت من رجل يقيس هبوط الضغط بوحدة الباسكال. صاحيًا، وهاتفه مطفأ. في البداية جلسنا فقط. جعلته ينطق كلمة الأمان بصوت عالٍ، مرتين، حتى لم تعد تبدو رجاءً، بل أداة تخصّه.
ثم القفص. تحققت من مقاسه كما أتحقق من كل شيء، دون عجلة ودون تعليق، وسألته: ضغط؟ دفء؟ شيء يحتك؟ قال إنه مناسب. جعلته يقف، ويمشي بضع خطوات، ويجلس، ثم سألته مرة أخرى. عندها فقط أقفلته. الصوت أخفض مما تظن، طقّة لا تعلو على طقّة قلم حبر جاف. كان قد تخيّله أعلى؛ رأيت ذلك في وجهه.
نظمت المفتاح في سلسلة رفيعة، ووضعته لا حول عنقي، بل على الأرض، على مسافة ذراع أمام الحصيرة التي كان جاثيًا عليها؛ وكلما طلبت ركبتاه ذلك، كان يُسمح له بأن يجلس على عقبيه. كان معصماه في أساور جلدية، مشدودين إلى حلقة بحزام قصير: فسحة تكفي لجريان الدم، ولا تكفي لبلوغ السلسلة. جلست في الكرسي الوثير خلفه، حيث لم يكن يستطيع أن يراني، وقرأت.
الحبس يقتات على المدة، لا على الفعل. في نصف الساعة الأول كان يتكلم – عن الرحلة، وعن الاستوديو، وعن نفسه. لم أجب. وفي النصف الثاني صمت، وبدأ الصمت يعمل. لم يكن يعرف كم الساعة. سمعني أقلب صفحة. بين حين وآخر كنت أنهض، وأضع يدي بين كتفيه، وأسأل: «أين أنت؟» – «هنا»، قال، ومرة، بعد صمت طويل: «عند المفتاح». كنت أتحقق من يديه، ومن لون أصابعه، ومن إحكام الأساور، ثم أعود إلى مقعدي. وبعد ساعة فككت الحزام، وأعطيته ماء، وتركته يمدّ ساقيه ويدير كتفيه، ثم ثبّته من جديد، والمفتاح في مكانه لم يُمسّ.
ثم جاءت اللحظة التي يمضي نحوها كل حبس. شدّ. لا كثيرًا، بل بقدر ما سمح به الحزام، وأصابعه ممدودة نحو السلسلة التي كانت أبعد من متناوله بعرض كفّ. تركته يشد ولم أقل شيئًا. كان بوسعه أن يقول Copper، فينتهي كل شيء؛ كان يعرف ذلك، وكنت أعرف أنه يعرف. لم يقلها. وبعد حين أرخى ذراعيه، ووضع جبينه على الحصيرة، وأطلق زفرة طويلة، طويلة إلى حد بدا معه كأن أحدًا فتح الصمام في وعاء ضغط.
قلت: «هذه تجربة غيريكه. تشد من الجهتين، ولا ينفعك ذلك شيئًا. لا لأن القفل بالغ القوة، بل لأنك تكفّ عن الشد حالما تفهم ما الذي يمسكك».
التقطت السلسلة ووضعتها حول عنقي. وقبل أن يغادر، جلس ربع ساعة أخرى في الكرسي الوثير، ومعه ماء وبطانية، وسألته للمرة الأخيرة عن مقاس القفص. وفي ذلك المساء عاد إلى ماغدبورغ والقفص مقفل عليه، ومفتاح الطوارئ المختوم في جيبه الداخلي، ورقم الختم في هاتفي.
ما يمسكه الفراغ معًا
كانت الأسابيع التالية هي الجلسة الحقيقية. دامت المرحلة الأولى أربعة أيام، والثانية عشرة أيام؛ وبعد ذلك لم أعد أذكر أي رقم. وكل يومين كانت تصل في المساء رسالة فيها سلسلتان من الأرقام: رقم الختم المكسور، ورقم الختم الجديد. ومرة في الأسبوع كان يجلس أمام الكاميرا، فيقدّم تقريره، ويرفع الختم أمام العدسة، ويتلقى مهامّ. نزهة دون هاتفه على امتداد نهر إلبه حتى Lukasklause، برج الدفاع القديم على الضفة، الذي يحيي فيه متحف اليوم ذكرى غيريكه. ساعة من الجلوس بلا حراك. صفحة عمّا لم يكن مسموحًا له أن يفعله، ولماذا لم يفعله، مع أنه كان يستطيع.
كان لدى الفلاسفة السكولائيين مبدأ ردّوه إلى أرسطو: natura abhorret vacuum، أي الطبيعة تأبى الفراغ. وواجهه غيريكه بمضخته، أمام الجمهور، بالنحاس وقوة الشد. ليس الفراغ هو العدم الذي يفرّ منه كل شيء. إنه ما يضغط نصفين أحدهما على الآخر بإحكام تخفق معه كل قوة شد. ليست الكرتان هما اللتان تتشبث إحداهما بالأخرى؛ بل الهواء من الخارج هو الذي يمسكهما، بالتساوي، من كل جهة، بلا جهد.
هكذا يعمل فرض العفة حين ينجح. القفص شيء صغير إلى حد يثير الضحك. ما أمسك R. كان الغياب: غياب المفتاح، وغياب القرار، وغياب أي إمكانية لأن يلين. كان المفتاح في ميونخ هو الأصل؛ والذي في جيبه نسخة تحت الختم. لم يكن المعدن هو ما يقيّده، بل الرقم. ولم يعمل هذا الغياب نحو الداخل، بل نحو الخارج. في الأسبوع الثالث من أطول المراحل كتب أن زميلة سألته إن كان قد عاد من إجازة. قال إنه صار يصغي. صار ينظر إلى الناس حين يكلمونه. ولأول مرة لاحظ أن الكاتدرائية تبدو في المساء من جهة نهر إلبه غير ما تبدو عليه من ساحة الكاتدرائية.
باسكال، الذي كان في الحقبة نفسها تقريبًا يلاحق الفراغ في فرنسا بأعمدة الزئبق، ترك في كتابه خواطر (Pensées) جملة أكتبها لبعض ضيوفي: «إن شقاء البشر كله ينشأ من أمر واحد، هو أنهم لا يستطيعون أن يمكثوا ساكنين في حجرتهم». لم يكن R. يستطيع ذلك، في البداية. كان يحسب. كان يعدّ الأيام، والساعات، وأرقام الأختام. وفي كل جلسة كان يسأل: كم بقي؟
لم أجبه برقم قط. السلطة، كما أدرك في تلك الأسابيع، ليست الشد من الجهتين. السلطة هي الضغط المتساوي الذي لا يرتخي ولا يلحّ. والاستسلام يعني أن تكفّ عن مقاومته. والحرية؟ كانت الحرية هي الصمام الذي ظل في جيبه طوال الوقت: الختم الذي يُسمح له بكسره، والكلمة التي يُسمح له بقولها. لم يستعمل أيًا منهما عن حاجة قط. ولأنه كان يستطيع ذلك بالذات، كان كل يوم بلا ختم مكسور قراره هو. هذا ما يفصل الخضوع عن الأسر.
نهاية مرحلة على جادة Breiter Weg
في أواخر يوليو، في منتصف أطول المراحل، رأيته للمرة الثانية في Studio 60. كان أهدأ مما كان في المرة الأولى، وكان في صوته شيء جديد لم يعجبني. أراد أن يمدّد المرحلة. أحضر معه خطة، محكمة التعليل، بأسابيع وأهداف، كأنها سلسلة اختبارات. كان قد نسي أن قياس المدة ليس من شأنه.
كنت أرى ذلك آتيًا منذ جلستين عبر الفيديو. الانتباه الذي منحته إياه تلك الأسابيع لم يعد يتجه إلى الخارج – إلى زميلته، وإلى نهر إلبه، وإلى الكاتدرائية – بل عاد إلى الداخل، إلى العدّ. صار الغياب رقمًا قياسيًا يمكن تحطيمه، وبذلك لم يعد غيابًا. وبلغته هو: كانت الحشية لا تزال صامدة، لكنها لم تعد تؤدي عملها.
نزعت السلسلة عن عنقي وفتحت قفله. قال: «لا» – لا كلمة الأمان، بل مجرد «لا» كانت رجاءً أكثر منها اعتراضًا. تركته يكمل كلامه. ثم قلت له إن هذه المرحلة تنتهي لأن وقتها انقضى، وإن القرار قراري، ولا سيما حين لا يستطيع هو أن يرى ذلك. لم يكن ذلك وداعًا ولا عقابًا. إنه الجزء من عملي الذي لا يحجزه أحد، ولولاه لما ساوى الباقي شيئًا. بعد ذلك جلسنا طويلًا دون أن نتحدث عن الأرقام، حتى عاد إلى نفسه، فتركته يمضي.
حين فتح غيريكه الصمام وتدفق الهواء عائدًا إلى الكرة، انفصل النصفان دون أي قوة على الإطلاق. هذا الجزء من التجربة لا يكاد يرويه أحد. لا تحتاج إلى فرق من الخيول لتفصلهما. يكفي أن تكفّ عن صنع الفراغ الذي كان يمسكهما معًا.
بعد أسبوعين وصلت رسالة من ماغدبورغ، مكتوبة بخط اليد. في داخلها الختم الأخير، مكسورًا، ورقمه محاط بدائرة بقلم الحبر الجاف. كتب أنه جلس مرة أخرى في فناء القلعة، قرب النافورة، ونظر إلى الواجهة. فالمبنى يُراد له أن يتغير: الأشجار تنمو، والطلاء الخارجي يبهت، ومن هذا بالذات يُراد أن ينشأ الإحساس بأن البناء يشيخ. كتب R. أنه فهم لأول مرة أنه ليس كل ما يلين عيبًا.
احتفظت بالرسالة، وبالمفتاح أيضًا. إنه معلّق على خطّاف في ميونخ، وأحيانًا، حين أراه، أفكر في الأشجار على السطح فوق جادة Breiter Weg. لا أحد يربطها. إنها ثابتة لأنها ضربت جذورها، لا لأن شيئًا ينقصها.
في مختبره، Dichtung هي الكلمة التي تُطلق على كل ما يُبقي الشيء محكم الإغلاق. وعند غوته تقف الكلمة نفسها إلى جانب الحقيقة: Dichtung und Wahrheit، أي «الشعر والحقيقة». وهذه القصة Dichtung بالمعنى الثاني: من نسج الخيال بالكامل، وتجري في أماكن موجودة حقًا.
شهادتان من سجل الزوار
ما يلي كتبه ضيفان في سجل الزوار الخاص بي، بمعزل عن هذه القصة. التدوينتان حقيقيتان، ولا تعود أي منهما إلى شخصية من شخصياتها؛ وأفكارهما لا تتردد في السرد إلا صدًى.
«كنت متشككًا في ما إذا كان ما ستشعر به زوجتي ذات يوم سيثير أزمة. لم تشعر بشيء – سوى أنني صرت أكثر حضورًا. لا أحتاج إلى Mistress Alexa كي أمنح زوجتي اهتمامًا أقل. أحتاج إليها كي أستطيع أن أمنحها أكثر.» – Frank W.، تدوينة في سجل الزوار (مترجمة عن الألمانية)
«أنهينا مرحلتنا لأنه كان ينبغي لها أن تنتهي. هي أدركت ذلك. أنا لم أدركه. ومع ذلك اتخذت هي القرار. لم يكن ذلك رفضًا. كان مسؤولية. أشكرها عليه أكثر مما أشكرها على أي ساعة بعينها.» – تدوينة موقّعة «إلى السيدة»، سجل الزوار (مترجمة عن الألمانية)
شهادات أخرى تنتظرك في سجل الزوار.
فرض العفة عندي: ما لا تُظهره القصة
تُسقط القصة الساعات التي لا يحدث فيها شيء مثير، وهي بالذات الساعات التي يقوم عليها أي ترتيب حقيقي لفرض العفة. عندي يبدأ الأمر بحديث تمهيدي: الخبرة، والتوقعات، والحدود، وهل يوجد قفص يناسبك حقًا. دوّن مسبقًا في ملفك الشخصي في Safe Room (منطقة الأعضاء) كل ما يخص صحتك: مشكلات القلب أو الدورة الدموية، والأدوية، والحساسية، والبشرة الحساسة. ونحدد كلمة الأمان قبل كل جلسة؛ وهي توقف أي فعل على الفور.
- في الاستوديو: الحبس وفرض العفة يُحجزان بحد أدنى للمدة قدره 120 دقيقة. والتثبيت بالأحزمة أو الحبال مشمول في سعر الساعة.
- عن بُعد: الاحتفاظ بالمفتاح عبر الفيديو، 45 دقيقة، ابتداءً من 180 €. أما كيف تُدار الإثباتات والتنظيف ومفتاح الطوارئ، فنتفق عليه في الحديث التمهيدي.
- الجسد أولًا: الألم أو الخدر أو تهيّج البشرة ينهي أي مرحلة فورًا. هذا ليس إخفاقًا، بل عناية.
- ما لا يحدث: لا جماع، ولا جنس فموي.
كم تدوم المرحلة، ومتى تنتهي، قرار يعود إليّ. يمكنك أن تقرأ المزيد عن القفص والفترات الزمنية والاحتفاظ بالمفتاح في صفحة فرض العفة والاحتفاظ بالمفتاح، وعن الحدود وإنهاء الجلسة في صفحة المحظورات والحدود والسلامة.
من ماغدبورغ إلى Studio 60: الرحلة والتخطيط
لا يوجد قطار مباشر بين ماغدبورغ وميونخ. بالقطار، مع تبديل واحد على الأقل، غالبًا في هاله أو لايبزيغ، تستغرق رحلتك نحو أربع إلى خمس ساعات؛ وقد تطيلها أعمال الصيانة على الخطوط، فتحقق من رحلتك مرة أخرى قبيل انطلاقك. ومن المحطة الرئيسية في ميونخ (Hauptbahnhof) لا يبقى بعد ذلك إلا مشوار قصير بالمواصلات العامة. يصلك العنوان الدقيق للاستوديو بعد تأكيدي ووصول العربون.
إن كنت ستقطع هذه المسافة، فخطط على هذا النحو:
- اترك هامشًا: اختر الوقت بحيث لا يحرمك فوات قطار التبديل في هاله من جلستك. التأخر لا يمدد الوقت المحجوز.
- الغرفة أولًا: احجز الغرفة في Studio 60 للوقت الذي تطلبه، قبل أن تشتري تذكرتك.
- تعال صاحيًا: لا بيرة في القطار، ولا حتى لتهدئة أعصابك. من شرب، يبقى الباب مغلقًا أمامه.
- امنح نفسك الوقت: فرض العفة في الاستوديو يستغرق ساعتين على الأقل. ومع الذهاب والعودة في اليوم نفسه، يصبح اليوم طويلًا؛ وليلة في ميونخ تزيح عنك الضغط.
الكتمان من الجانبين: لا أسأل عن جهة عملك في ماغدبورغ، وما تأتمنني عليه يبقى عندي؛ وأنتظر منك الشيء نفسه. وإن كنت تفضّل أن تبدأ دون رحلة، فابدأ عبر الفيديو وتعال لاحقًا. وتجد قصصًا من الولايات المجاورة لساكسونيا أنهالت في الصفحتين دومينا بوتسدام ودومينا هانوفر.